مصطفى صادق الرافعي

68

اعجاز القرآن والبلاغه النبويه

يجب له ، والذي يجعل الأدب عقيدة لا فكرا إذ تبعث عليه البواعث من جانب الروح ، ويجعل وازع كل امرئ في داخله ، فيكون هو الحاكم والمحكوم ، ويرى عين اللّه لا تنفكّ ناظرة إليه من ضميره . وبيّن أن الاجتماع إنما هو شيء روحاني ، وأن الأمة لا تجتمع إلا بقوة من قوى التجاذب الروحي ، تبنى عليها الأغراض الاجتماعية التي هي المبادئ الأولى في الحياة . وعلى حسب الصفة الروحانية التي يقوم بها الاجتماع ، ثم قوة المادة الروحية فيها ، يكون أمر هذا الاجتماع إلى القوة أو الضعف ، وإلى الثبات أو الاضطراب ، وإلى أن يكون مستحصدا أو منتكثا ، وعلى قدر ما يفقد من صفته يفقد من نفسه ، فإذا زالت تلك الصفة وانسلخ منها ، تعاورته صفات المادة فصار كالشئ المادي الذي تعمل فيه كلّ الأسباب الظاهرة تركيبا وتخليلا ، فلا يتصل الفرد بغيره من الأفراد اتصالا ثابتا لا تنفصم عروته ، ثم لا يكون من الأفراد إلا مجموع فرد إلى فرد على هذه الصفة عينها ، وما من شعب منحط إلا وهو مثال لهذا الاجتماع المادي الذي يمتاز أكثر ما يمتاز بالصفة العددية وما كان من أسبابها مما هو علة الضمّ ، والضم وحده لا يغني في الاجتماع شيئا . وأنت إذا تدبرت هذه القوة الروحية في آداب القرآن الكريم ، واعتبرتها بمأتاها في الطباع ، ومساغها إلى النفوس ، واشتمالها على سنن الفطرة الإنسانية ، فإنك تتبين من جملتها تفصيل تلك المعجزة الاجتماعية التي نهض بها أولئك الجفاة من العرب فنفضوا رمال الصحراء على أشعة الشمس في هذا الشرق كله ؛ فحيثما استقرت منها ذرة وقع وراءها عربي ! بل نفضوا أقدامهم على عروش الممالك ، وهم كانوا بين داع للصنم ، وراع للغنم ، وعالم على وهم ، وجاهل على فهم ، وبين شيطان كأنه لخبثه مادة لوجود الشّيطان ، وإنسان كأنه لشره آلة لفناء الإنسان ، فما زالوا يبسطون تلك الجزيرة حتى بلغت أضعافها ، وما زالوا بالدنيا حتى جمعوا إليهم أطرافها . وليس من دليل في التاريخ على أن هذه الأرض شهدت من خلق اللّه جيلا اجتماعيا كذلك الجيل الأول في صدور الإسلام ، حين كان القرآن غضا طريا ، وكانت الفطرة الدينية مؤاتية ، وكانت النفوس مستجيبة ، على أنه جيل ناقض طباعه ، وخالف عاداته ، وخرج مما ألف ، وخلق على الكبر خلقا جديدا ، ومع ذلك فإن الفلسفة كلها والتجارب جميعا ، والعلوم قاطبة ، لم تنشئ جيلا من الناس ولا جماعة من الجيل ولا فئة من الجماعة كالذي أخرجته آداب القرآن وأخلاقه من أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : في علوّ النفس ، وصفاء الطبع ، ورقة الجانب ، وبسط الجناح ، ورجاحة اليقين ، وتمكّن الإيمان ، إلى سلامة القلب ، وانفساح الصدر ، ونقاء الدخلة ، وانطواء الضمير على أطهر ما عسى أن يكون في الإنسان من طهارة الخلق ، ثم العفة في مذاهب الفضيلة ، من حسن العصمة ، وشدة الأمانة ، وإقامة العدل ، والذلة للحق ، وهلم إلى أن تستوفي الباب كله .